كتب الله علينا الصيام امتحانًا للنفس وتزكيةً للروح، حيث نتعلّم من خلاله فنّ الامتناع عن المباح، لنكون أقدر على الامتناع عن الحرام. ولا يقتصر الصيام على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب للنفس على كفّ الجوارح عن كلّ ما يُغضب الله.
إنّ الامتناع عن الأكل والشرب هو الحدّ الأدنى من الصيام، أمّا جوهره الحقيقي فهو في كفّ اللسان عن قول الزور، وكفّ اليد عن الظلم، وكفّ القلب عن الضغينة، وكفّ الإنسان عن كلّ معصية تُبعده عن ربّه. فمن لم يمنعه صيامه عن الغيبة والنميمة والعدوان وقطيعة الأرحام، فقد أضاع ثمرة هذه العبادة العظيمة.
رمضان فرصة للتخلّص من العادات السيئة والتدرّب على الامتناع عن المحرّمات، فكما يتحمّل الصائم الجوع والعطش طاعةً لله، ينبغي أن يتحمّل كفّ نفسه عن الغضب، وكفّ عينيه عن الحرام، وكفّ أذنيه عن سماع الباطل، ليكون صيامه كاملًا مؤثّرًا في سلوكه، لا مجرّد جوع وعطش.
وما أعظم أن يكون رمضان شهر البدايات والنهايات في آنٍ واحد، ففيه نكفّ ونمتنع عن كلّ ما يغصب الله تعالى، وفيه أيضًا نبدأ بدايات جديدة ندخل من خلالها إلى عالم الصفاء الروحي ونرتقي في مدارج السالكين نحو التقوى، فنستقبل أيّامه بروح متجدّدة، ونودّع فيه كلّ ما يثقل أرواحنا من ذنوب أو تقصير.
رمضان هو شهر القرارات الكبيرة وطيّ الصفحات المستعصية الثقيلة على النفس. هو موسم المراجعة الصادقة مع الذات، وفرصة سانحة للتصالح مع الله، ومع أنفسنا، ومع من حولنا. فيه تُحسم التردُّدات، وتُتّخذ الخطوات الجادّة نحو التغيير، فكم من إنسان وجد في رمضان نقطة تحوّله الكبرى، فودّع ذنبًا لازم قلبه طويلًا، أو أصلح ما قد فسد من علاقات مع الأقرباء والجيران وذوي الأرحام. قال الحسن البصري رحمه الله: "إنّ الله تبارك وتعالى جعل رمضان مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق أقوامٌ ففازوا، وتخلّف آخرون فخابوا.. فالعجب من الضاحك اللاعب في اليوم الّذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المُبطلون". قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}.
قال النبي ﷺ: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". فمن أراد أن يكون صيامه مقبولًا، فليجعل منه مدرسةً للإرادة والتقوى، ويمتنع عن الحرام كما امتنع عن المباح، فتصفو نفسه وتزكو روحه، ويقترب أكثر من رحمة الله ورضوانه.
الشيخ صفوت فريج
رئيس الحركة الإسلاميّة